ابن كثير
48
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الأرض ؟ أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ « 1 » » وفي القرآن العظيم لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً [ البقرة : 247 ] وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [ الكهف : 79 ] إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [ المائدة : 20 ] وفي الصحيحين « مثل الملوك على الأسرة » . والدين الجزاء والحساب كما قال تعالى : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [ النور : 25 ] وقال أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ [ الصافات : 53 ] أي مجزيون محاسبون ، وفي الحديث « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » أي حاسب نفسه كما قال عمر رضي اللّه عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ . [ الحاقة : 18 ] . [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 5 ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من إياك وقرأ عمرو بن فائد بتخفيفها مع كسر الهمزة وهي قراءة شاذة مردودة لأن إيا : ضوء الشمس « 2 » ، وقرأ بعضهم أياك بفتح الهمزة وتشديد الياء ، وقرأ بعضهم هياك بالهاء بدل الهمزة كما قال الشاعر : [ الطويل ] فهياكو الأمر الذي إن توسّعت * موارده ضاقت عليك مصادره « 3 » ونستعين بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم ، والعبادة في اللغة من الذلة يقال طريق معبد وبعير معبد أي مذلل ، وفي الشرع : عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف . وقدم المفعول وهو إياك وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك وهذا هو كمال الطاعة ، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين ، وهذا كما قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فالأول تبرؤ من الشرك ، والثاني تبرؤ من الحول
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( منافقين ، حديث 24 ) وأبو داود ( سنة ، باب 19 ) وابن ماجة ( مقدمة ، باب 13 ؛ وزهد ، باب 33 ) وأحمد في المسند ( ج 3 ص 309 ) ( 2 ) في لسان العرب ( أيا ) : إيا الشمس وأياؤها : نورها وضوؤها وحسنها . وكذلك إياتها وأياتها ، وجمعها آياء وإياء كأكمة وإكام . وأنشد الكسائي : سقته إياة الشمس إلا لثاته * أسفّ ولم تكدم عليه بإثمد والشاهد في القرطبي 1 / 146 . ( 3 ) البيت لمضرس بن ربعي في شرح شواهد الشافية ص 476 ؛ ولطفيل الغنوي أو لمضرس في ديوان طفيل ص 102 ؛ وبلا نسبة في الإنصاف 1 / 215 ؛ وسر صناعة الإعراب 2 / 552 ؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1152 ؛ وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 223 ؛ وشرح المفصل 8 / 118 ؛ ولسان العرب ( هيا ، أيا ) ؛ والمحتسب ( 1 / 40 )